إن النقاشات حول التاريخ ليست محايدة أبدًا؛ فهي لا تقتصر على سرد الماضي، بل تكشف، قبل كل شيء، موازين الق. وفي موريتانيا، تحتل قضية الحراطين تحديدًا هذا
الحيز الذي لا يدور فيه الجدل حول الوقائع فحسب، بل حول الاعتراف بها وتأويلها، والأهم من ذلك، حول دلالاتها السياسية.
فعندما تطالب جماعة أُقصيت تاريخيًا إلى مواقع دونية بالاعتراف الكامل بها كفاعل سياسي، فإن اوى التي تُشكِّل الحاضرلأمر لا يتعلق بمجرد خلاف حول الذاكرة، بل يصبح مساءلةً للبنية ذاتها التي قامت عليها التراتبيات الاجتماعية الموروثة.
وفي هذا السياق يندرج مقال إلي ولد اسنيبة: «ماذا لو حضر الحراطين مؤتمر ألاك؟»، والذي يبدو، في ظاهره، نقاشًا تاريخيًا، لكنه يقوم في الحقيقة على انزياح منهجي جوهري: استبدال البنى الاجتماعية بحالات معزولة، وتحويل الحكايات النسبية إلى بديل عن تحليل العلاقات
الاجتماعية.
وفي العلوم الاجتماعية، ليست الاستثناءات هي التي تفسر القاعدة، بل إن القاعدة هي التي تمنح الاستثناء معناه؛ وهذا الانقلاب المنهجي هو بالضبط ما يستحق المساءلة.
1. قراءة تُحوِّل النقاش من التاريخ إلى السجال السياسي
في مقاله «ماذا لو حضر الحراطين مؤتمر ألاك؟»، يرى إلي ولد اسنيبة أن «القضية الحراطينية» ليست سوى بناء سياسي حديث، تدفع به، خصوصًا، القومية البولارية، بهدف إضعاف الوحدة الوطنية عبر إدخال منطق جماعاتي مصطنع.
وتقوم هذه القراءة على انزياح منهجي كبير؛ إذ تستبدل تحليل البنى الاجتماعية التاريخية بقراءة قائمة على السرديات السياسية المعاصرة والاستثناءات النسبية.
غير أن بروس دي. هول يؤكد في كتابه تاريخ العرق والعنصرية في إفريقيا والسودان (منشورات جامعة ديوك، 2011) أن التراتبيات الاجتماعية في الفضاء الساحلي الصحراوي لا يمكن فهمها من خلال حالات معزولة، بل من خلال البنى المهيمنة التي تنظّم العلاقات الاجتماعية بصورة دائمة.
ويجد هذا المنظور البنيوي صداه أيضًا في أعمال بيير بونت حول المجتمع العربي-الأمازيغي (الدراسات الموريتانية، 1984)، حيث يبيّن أن التراتبيات الاجتماعية تشكلت تاريخيًا حول أوضاع اجتماعية متمايزة، لا سيما تلك المرتبطة بالفئات المسترقّة.
2. الاستثناءات لا تُلغي البنية الاجتماعية
يشير إلي ولد اسنيبة إلى وجود مجموعات من الحراطين عرفت مسارات أكثر استقلالًا نسبيًا، واندُمج بعضها في تحالفات قبلية أو عسكرية، مثل بعض فروع أولاد أعيد في الترارزة أو مكونات من أولاد بنيوق، التي كانت تُعرف باسم «الكحلو الكحلو»، في إشارة إلى وضعيتها كمساعدين عسكريين سود أو رماة قبليين.
ولا أحد ينازع في وجود هذه الحالات، غير أنها تظل مسارات خاصة بالنظر إلى البنية الاجتماعية السائدة. ويشدد بروس دي. هول (2011) تحديدًا على ضرورة التمييز بين تنوع المسارات الفردية والمنطق البنيوي الذي ينظم العلاقات الاجتماعية على المدى الطويل.
ولا يمكن لأي قراءة جادة للتاريخ الاجتماعي أن تجعل من الاستثناء قاعدة. فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت هناك حالات خاصة، بل ما هي الوضعية الغالبة.
وفي هذا الشأن، تتقاطع أعمال بيير بونت (1984)، وبروس دي. هول (2011)، والدراسات المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي لموريتانيا، على أن جزءًا كبيرًا من الحراطين ينحدر من جماعات كانت مستعبدة سابقًا أو أُدرجت لفترات طويلة ضمن علاقات تبعية.
3. علاقات اجتماعية تشكلت تاريخيًا وقانونيًا
إن تصوير علاقة تاريخية منسجمة بين القبائل العربية-الأمازيغية والحراطين يميل إلى طمس الطبيعة الحقيقية للعلاقات الاجتماعية التي سادت طويلًا.
فعلى امتداد قرون، لم تكن العلاقات بين السادة والتابعين علاقات بين شركاء متساوين، بل كانت تندرج ضمن إطار قانوني واجتماعي يعترف صراحة بوجود الرق.
ويضم مختصر خليل بن إسحاق، وهو من أهم متون الفقه المالكي التي تُدرَّس في المحاظر، أحكامًا تتعلق بالرق. ففي الطبعة الصادرة عن دار المعارف بالقاهرة سنة 1970، يظهر العبد بوصفه شخصًا يجوز بيعه وشراؤه وهبته وتوارثه. وقد ظل هذا المتن المرجع الفقهي الأبرز في المجال الساحلي الصحراوي، وكانت موريتانيا أحد أهم مراكز انتشار هذه الأحكام ذات الطابع الاسترقاقي.
وتُظهر تحليلات بيير بونت في دراسته «البنية الاجتماعية والتراتبيات في موريتانيا» (1984) أن هذا البعد القانوني لم يكن مجرد وضع اجتماعي غير رسمي، بل كان جزءًا من نظام منظم لإنتاج وإعادة إنتاج التراتبيات الاجتماعية.
وفي السياق ذاته، يبيّن بروس دي. هول (2011) كيف أسهمت المنظومات القانونية في منطقة الساحل في ترسيخ أشكال مستدامة من الهيمنة الاجتماعية، دون اختزال التراث الفقهي الإسلامي في هذا البعد وحده.
ومن ثم، يصبح من الصعب تقديم الحراطين باعتبارهم مجرد مكوّن مندمج طبيعيًا في البنى الاجتماعية للقبائل العربية-الأمازيغية ضمن فضاء
منسجم. فالحقيقة التاريخية تبدو أكثر تعقيدًا، وتكشف عن وجود نظام عميق لترتيب المراتب الاجتماعية.
4. سوء فهم «الانفجار الديمغرافي للحراطين»
إن فكرة وجود «انفجار ديمغرافي حراطيني» مزعوم تقوم على قراءة إحصائية هشة.
فكما يشير ولد أحمد سالم في أعماله حول الفئات الاجتماعية في موريتانيا (المجلة الموريتانية لعلم الاجتماع، 2003)، فإن الحراطين لم يُحصَوا لفترة طويلة باعتبارهم فئة مستقلة، إذ كانوا مندمجين ضمن البنى القبلية المهيمنة، مما جعلهم غير مرئيين إحصائيًا إلى حد كبير.
ولذلك، فإن ما تغير خلال العقود الأخيرة ليس بالضرورة عددهم، بل مستوى حضورهم الاجتماعي والسياسي.
ويؤكد بروس دي. هول (2011) أن الاعتراف التدريجي بالحراطين بوصفهم جماعة اجتماعية متميزة لا يعكس خلقًا حديثًا لهذه الفئة، بل يمثل مسارًا تاريخيًا من الظهور وإعادة تشكيل الهويات الاجتماعية.
5. سؤال مركزي: لماذا تثير استقلالية الحراطين الانزعاج؟
بعيدًا عن الخلافات التاريخية، يبقى سؤال جوهري: لماذا تثير الاستقلالية السياسية والاجتماعية للحراطين جدلًا أكبر من تلك التي تتمتع بها جماعات أخرى؟
تُظهر أعمال بيير بونت (1984) أن البنى القبلية العربية-الأمازيغية تمتعت تاريخيًا بأشكال مستقلة من التنظيم والتمثيل والتضامن.
وفي هذا السياق، يكتسب التساؤل الذي يطرحه بروس دي. هول (2011) كامل معناه: لماذا يُنظر إلى التنظيم الجماعي بوصفه أمرًا مشروعًا لبعض الجماعات، بينما يُعد إشكاليًا بالنسبة إلى جماعات أخرى؟
وهذا التفاوت في الاعتراف هو بالضبط أحد الرهانات الأساسية للنقاش المعاصر.
6. مؤتمر ألاك: مسألة تمثيل سياسي
إن الجدل حول مؤتمر ألاك لا يتعلق بقراءة عرقية أو إثنية ضيقة، بل يرتبط أساسًا بمسألة التمثيل السياسي في تشكل الدولة.
فبحسب ولد أحمد سالم (2003)، ظلت الفئات الاجتماعية الدنيا لفترة طويلة مندمجة داخل هياكل تمثيل تهيمن عليها النخب التقليدية، مما حدّ من قدرتها على التعبير السياسي المستقل.
وفي امتداد لهذا التحليل، يبيّن بروس دي. هول (2011) أن بناء الدول ما بعد الاستعمار في غرب إفريقيا اعتمد في كثير من الأحيان على البنى الاجتماعية القائمة مسبقًا، الأمر الذي أدى أحيانًا إلى إعادة إنتاج أشكال غير متكافئة من الوساطة السياسية.
وعليه، فإن السؤال المطروح ليس مسألة الحضور المادي في حدث تاريخي، بل القدرة على الوجود سياسيًا كفاعل جماعي مستقل في عملية بناء الدولة.
الخاتمة
إن التاريخ لا يختفي بالإنكار.
فمقال إلي ولد اسنيبة لا يثبت أن القضية الحراطينية اختراع سياسي حديث، بل يكشف، في المقام الأول، عن استمرار المقاومة للاعتراف بالاستقلالية التاريخية والاجتماعية للحراطين.
وكما ذكّر فرانز فانون في كتابه معذبو الأرض (دار لا ديكوفرت، 2002)، لا يمكن لأي مجتمع أن يبني نفسه بصورة مستدامة على محو جزء من ذاكرته التاريخية. فالوحدة الوطنية لا تتعزز بالإنكار ولا بترتيب الذاكرات وفق سلّم تفاضلي، بل بالاعتراف بالحقائق التاريخية وبالمساواة السياسية بين المواطنين.
إن الحراطين ليسوا اختراعًا معاصرًا، بل هم نتاج تاريخ اجتماعي طويل، حفلت مساراته بالمعاناة والإذلال والنضال وتنامي الوعي الموثق والمنظم.
وإذا كانت مطالبهم السياسية تثير اليوم النقاش، فلأنها تعبّر عن تطلع أساسي: أن يُعترف بهم بوصفهم فاعلين سياسيين واجتماعيين واقتصاديين كاملي الحقوق.
ذلك أن أي سياسة تُصاغ لفئة من الناس دون مشاركتها الفعلية، ينتهي بها الأمر، عاجلًا أم آجلًا، إلى أن تُمارَس ضدها بدل أن تُبنى معها.
المراجع
الشيخ سيداتي حمادي
مستشار رئيس حركة إيرا بيرام الداه اعبيد، خبير أول في حقوق المجتمعات المتعرضة للتمييز على أساس النسب والعمل (GFOD)، وباحث متخصص في التمييزات البنيوية، ومحلل، وكاتب.
15 يونيو 2026